بلاد الشمس: الموسيقا العربية، شعر: دينيس جوزيف إنرايت

بلاد الشمس: الموسيقا العربية، شعر: دينيس جوزيف إنرايت

تم نشر هذا المقال في مجلة حوريت الثقافية – دورية فصلية، العدد (3/4) – ربيع /صيف 2026

من القصائد التي تستلهم العرب وبلادهم قصيدة “الموسيقا العربية” لدينيس جوزيف إنرايت Dennis Joseph Enrit (2002-1920) وهو شاعر وروائي وناقد وأكاديمي، من رموز الحداثة الشعرية البريطانية المعاصرة. تخرج في جامعة كامبريدج وشغل مناصب أكاديمية رفيعة خارج المملكة المتحدة، في كل من مصر وألمانيا واليابان وتايلاند وسنغافورة. وقد وثق تجاربه الأكاديمية والمعيشية في هذه الدول في كتابه المثير للجدل، “مذكرات أستاذ متسوّل” (1969)، حيث عبرّ عن رؤيته النقدية للثقافات التي تواصل معها.
ينتمي إنرايت إلى حركة شعرية جديدة أسسها في أوائل خمسينيات القرن العشرين مع مجموعة من الشعراء الشباب، مثل فيليب لاركين وكينجسلي أميس ودونالد ديفي، والذين أطلِق عليهم اسم (The Movement). سعت هذه الحركة إلى تجاوز الإفراط في الرومانسية والالتباس الحداثي، والتوجه إلى شعر أكثر واقعية وبساطة في التصوير والمضمون. وقد شكلت تجاربه في مصر وبلاد الشرق الأقصى مادة خاما لعدد من قصائده؛ إذ تميزت بالتداخل بين الإحساس بالانفصال الثقافي والقدرة التأملية الساخرة في النظر إلى السلوك البشري.
في دراسته المهمة “إنرايت شاعر الإنسانية”، يؤكد ويليام والش أن إنرايت، طرح بأسلوب يتسم بالبراعة والوضوح، رؤية تؤكد أن “الثقافة لا يمكن أن ثفرض بقرارات تشريعية، بل ثبنى من خلال أفراد المجتمع أنفسهم: أولئك الذين ينصتون إلى الموسيقى ويبدعونها، ويقرأون الكتب ويكتبونها، ويُمعنون النظر في الفنون البصرية ويبدعونها، ويراقبون تفاصيل الحياة ويختبرونها. فالثقافة، كما يؤمن، لم تنشأ عبر عملية مصطنعة أو بتخطيط مختبري محكم، وإنما انبثقت من واقع الحياة البسيطة واحتياجات الإنسان اليومية، وتشكّلت عبر جهود أناس أتيح لهم هامش الحرية لكي يرتكبوا الأخطاء، ويخوضوا المعاناة، ويكتشفوا نواتهم والعالم من حولهم”1.

Dennis Joseph Enrit
Screenshot

ورؤية إنرايت هذه تجلت بوضوح في قصيدته “الموسيقا العربية” التي صدرت ضمن أول دواوينه “الضبع الضاحك وقصائد أخرى” عام (1953) 2. وتنتمي هذه القصيدة إلى تأملاته الشعرية العميقة والساخرة التي كتبها أثناء عمله في جامعة الإسكندرية بمصر بين عامي 1947 و1950، حيث يرصد لحظة عابرة تلوح فيها الموسيقى الغامضة مع نسيم ليلة دافئة، فتشتبك أحاسيس الحنين مع تسلؤلات حول البقاء الثقافي وعمق الكينونة الإنسانية ودور الغناء الجماعي في منح المعنى والثبات للأرواح.
يقدم إنرايت في هذه القصيدة مشهدًا واقعيًّا مجردًا من الزخارف، تسيطر عليه ملامح الفقر والبساطة؛ بغية إظهار عظمة اليومي والمعتاد الكامن خلف ظاهره المتواضع.
وفجأة، وسط أجواء الكآبة تظهر الموسيقى، كمصدر ينبع من الأعماق لم يُطرق من قبل: “مِثْلَ الترّانيم الأولى، التي لم ثعَنَّ مِنْ قبل”. تلتقي مجموعة من النوبيين المغمورين، فترتفع أصواتهم ما بين السكون والاضطراب، يصفقون لأنفسهم في الليل حتى كأن تصفيقهم يمزق سكون الظلمة. وفي هذه اللحظة العابرة، تغدو الموسيقى التعبير الأصيل عن هوية جمعية تواجه خطر النسيان.
أمام عين الشاعر، يتجلى أولئك الرجال النحيلون، البسطاء الذين يفتقرون لخبرة الأداء، بصفتهم انعكاسًا لتراث كامل يتشبثون به بالغناء الجماعي، مقاومين بتواضعهم عزلة العالم وتباعده المتزايد. ينتقل الشاعر، بإتقان فني، إلى مقاربة التاريخ بسخرية لاذعة تنضح بالمرارة، حيث يتحول المكان إلى ملتقى لأشباح الماضي، من روما الغازية إلى قوى الاستعمار الدخيلة وجشع الاستغلال الاقتصادي، وكلها تظهر في موقع متجرد من الرحمة. غير أن الموسيقى التي تتصاعد في لحظة معيشة فوق أغصان ليل فقير تظل تعبيرًا مباشرًا عن تحدي الأنظمة وبقاء الروح الإنسانية، نابضة بالحياة على الرغم من ثقل الحاضر وسيطرة الماضي.

(الموسيقا العربية)
ليستْ إلا ليلةً واحدةً دافئة، بين العديد من الليالي الدافئة:
ليست إلا أصواتا عزلاءَ وأياديَ عارية، وشارعًا خاليًا تملؤه قُماماتُ الفقراء.
ثم، مِثْلَ التّرانيمِ الأولى، التي لم تُغَنَّ مِنْ قبل: وفي أردية قَذِرة، تَجَلَّى النُّوبيّون بعيونِهم اللامعة في الظلام،
هكذا ببساطةٍ بين سيارات الأجْرة المُنَطلِقة.
أصواتُهم نَقيّةٌ وبسيطةٌ تتأوّدُ وترتقي قمّة البلاغة البارعة: وأيديهم الصُّلبة
تُصفِّق وتَخْفِق عبر ذلك الصمت الحَرِج.
رجالٌ أمّيّون فقراء،
لكنّهم وَحْدَهم في هذا العالم مازالوا يُغنّون مِثْلَ البَشَر.
لقد عسكر قَيْصرُ ذاتَ مَرّةٍ في هذا المكان: ثم تسابقت إليه الأشباحُ القاسية،
من المُبشِّرين والتُّجّار والآخرين،
تَلْفَحُ وُجوهَهم الرمالُ، وتَسْخَرُ منهم الرياح.
الآن، لا أحَدَ غيرُ شُرطيٌّ بَلَديِّ شاحِب، يَجْثِمُ خَجُولا بين ترامات مجنونة ورفاق أكثر جنونا.
الأغنيةُ ما زالت تُحلَّق عاصفةً وهائلةً: تاريخُهم، وجرائلُهم اليومية، وكنائسُهُم، وأسَرَةُ أعراسِهم، وقبورُهم الضيّقة، جميعُها بين أياديهم العارية، تحملها أصواتُ منتصف الليل.


الهوامش:

  1. William Walsh, D. J. Enright: Poet of Humanism (Cambridge University Press, 1974). P. 17. ↩︎
  2. Dennis Joseph Enright. The Laughing Hyena and Other Poems (Routledge & Paul, 1953). P.37. ↩︎


قد يعجبك أيضا: